غياب المؤسسة التشريعية.. الشعب مصدر السلطات

كتب: المحامي جعفر الطويل -عضو مجلس بلدية البيرة السابق

غياب المؤسسة التشريعية.. الشعب مصدر السلطات

ينشر مركز افق الحرية للبحوث والدراسات سلسلة من المقالات لمجموعة من الكتاب والنشطاء المؤثرين في صياغة الرأي العام ، وتأتي هذه المقالات ضمن سلسلة من الأبحاث الهادفة الي تعميق الفهم القانوني والسياسي وراء الدعوة لاجراء الانتخابات العامه ، وتستعرض هذه المقالات أهم الاسباب التي تدفع الى إجراء هذه الانتخابات.

يحكم القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2003 وتعديلاته ضوابط العلاقة بين الشعب والنظام السياسي التي تحكم الحياة السياسية في المجتمع الفلسطيني، بما يعكس طبيعة نظام الحكم في فلسطيني وفق ما نص عليه هذا القانون كنظام ديمقراطي نيابي يختار فيه الشعب ممثليه في المؤسسة التشريعية، ليصار بعدها إلى اكتمال دور الشعب في اختيار باقي السلطات التنفيذية والقضائية على أرضية مبدأ الفصل بين السلطات لتكريس حكما رشيداً تصان فيه الحقوق وتحدد فيه الواجبات وإعمال مبدأ سيادة القانون.

تنص المادة رقم (2) من القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2003 وتعديلاته على أن ” الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون”.

تفيد المادة رقم (2) من القانون الأساسي الفلسطيني لسنة 2003م أن الشعب يمارس دوره كمصدر للسلطات عن طريق اختيار ممثليه في المجلس التشريعي من خلال انتخابات مباشرة الذي يسند إليه مهمة التشريع وسن القوانين كأولى مظاهر السلطة التي يمارسها الشعب تمهيداً لتكريس دوره في السلطتين التنفيذية والقضائية لتكتمل أركان دولة القانون التي ترتكز على دعائمها الثلاث بما يكرس مشروعية نظام حكم ديموقراطي على أساس مبدأ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وضمان المشاركة السياسية.

إن غياب ممارسة الشعب لحقه ودوره كمصدر للسلطات يفضي بالنتيجة إلى واقع تتوالى فيه غياب مقومات دولة القانون الديموقراطية، وبالتالي يتحول نظام الحكم إلى نظام قائم على ركيزة واحدة، حيث تنصهر السلطات الثلاث وتتلاشى الحدود التي تكرس مبدأ الفصل بين السلطات وينعدم مبدأ الرقابة من قبل السلطات الثلاث على بعضها البعض مما يفضي إلى غياب سيادة القانون، وانتهاك الحريات العامة والخاصة وتغول السلطة التنفيذية وبالتالي انتهاك المبادئ الدستورية للقانون الأساسي الفلسطيني برمتها.

لقد شكل القانون الأساسي الفلسطيني الخطوة الأولى نحو إقرار دستور ينظم واقع الدولة الفلسطينية المأمولة، وقد جاء هذا القانون في مرحلة دقيقة من مراحل النضال الفلسطيني- مرحلة انتقالية من واقع الاحتلال إلى واقع الاستقلال الحقيقي والدولة الناجزة-، وكان من أهم الإنجازات التي تلت ذلك هو إجراء أول انتخابات تشريعية ورئاسية عام 1996م، رسمت معالم نظام الحكم في الدولة المقبلة وأرست معالم الديموقراطية النيابية ليمارس الشعب الفلسطيني السلطة وليحكم نفسه بنفسه من خلال اختيار ممثليه في أول مجلس تشريعي وصولاً إلى حلمه بالحرية والانعتاق من نير الاحتلال والعيش بكرامة وأمان ورخاء، وقد شكلت الانتخابات التشريعية والرئاسية الثانية عام 2006م تأكيدا على تلهف الشعب الفلسطيني للعيش بحرية وكرامة وجدارته لحكم نفسه بنفسه عبر صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليه في السلطة التشريعية والتي بدورها ستمكنه إلى اختيار سلطتيه التنفيذية والقضائية حيث افضت إلى تداول سلمي هادئ سلس عكس الوعي السياسي والديموقراطي للشعب والأحزاب والتنظيمات والنظام الحاكم على حد سواء.

لم يلبث المجلس التشريعي المنتخب لدورته الثانية المضي قدما في تنظيم الإطار القانوني الذي من شانه إرساء القوانين الناظمة للمجتمع الفلسطيني وتكريس مبدأ سيادة القانون وتوفير الحماية للحقوق العامة والشخصية حتى حدثت انتكاسة الانقسام التي كانت أحد أهم نتائجها الكارثية تعطل وشل المجلس التشريعي ومن ثم حله، مما أدخل الواقع الفلسطيني السياسي والاجتماعي والقانوني في متاهة تجلت مظاهر فيما يلي:-

1. انهيار مفهوم ” الشعب مصدر السلطات”، من خلال غياب دور ممثلي الشعب المنتخبين للسلطة التشريعية، وأصبحت القوانين الناظمة للعلاقات فيما بينهم أو تلك التي تنظم العلاقة بين المواطن والنظام الحاكم قوانين مفروضة مجردة من أي مظهر من مظاهر العقد الاجتماعي.

2. تلاشي مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، فغدت السلطة التنفيذية تجمع ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فلا رقابة على كلا السلطتين، وبات القضاء رهاناً بيد السلطة التنفيذية وتجرد من استقلاليته.

3. افرزت هذه الحالة هوة عميقة في النظام الاجتماعي السياسي الفلسطيني بكافة مقوماته، تجلت مظاهرها في منظومة النقابات ودورها، وفي الخطاب الوطني والسياسي الفلسطيني الداخلي.

4. إرباك الوضع الاقتصادي الفلسطيني وتعاظم التحديات التي يواجهها، وذلك بسبب غياب دور المؤسسة التشريعية في الرقابة على الموازنات والميزانيات المالية السنوية، وغياب دوره في إقرار الخطط التنموية الاستراتيجية.

5. إحداث حالة من الارباك والتخبط التشريعي نتيجة لغياب السلطة التشريعية والكم الهائل من القرارات بقانون الصادرة عن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ومع استمرار هذا الواقع ستصاب المنظومة التشريعية والقانونية في فلسطين بحالة تكلس وتضارب سيكون من المحال علاجها مستقبلاً.

6. المساس بهيبة القضاء واستقلاليته والثقة به جراء تلاشي مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث الذي يكرس العلاقة المرنة بينها والرقابة المتبادلة في حدود خلق حالة من التوازن بين السلطات الثلاث فحواها عدم التداخل في الاختصاصات من جهة أخرى وإعمال الرقابة المتبادلة فيما بينها من جهة أخرى.

7. انحسار أدوات ومقومات الضغط على المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لتنفيذ الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية فيما يتعلق باستكمال انسحاب إسرائيل من أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث استغلت إسرائيل حالة الانقسام الفلسطيني وما نتج عنها من غياب المجلس التشريعي الذي من المفروض أن يعكس باكورة الدولة المدنية الفلسطينية، دولة الديموقراطية وسيادة القانون لتتخذه حجة للتملص من تطبيق الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتزداد خطورة الافتقار لأدوات الضغط والتأثير على المجتمع الدولي في ظل استعار التطرف اليميني الإسرائيلي الذي يصعد ويسرع من إجراءاته أحادية الجانب على الأرض لإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في ظل الانقسام الفلسطيني الذي غيب وجود مجلس تشريعي فلسطيني يعبر عن برنامج وموقف فلسطيني يمثل الشعب الفلسطيني للتصدي لهذه الهجمة المستعرة.

8. تكريس حالة من الازدواجية التشريعية تتمثل في الجسم التشريعي السائد في قطاع عزه، والتشريعات الصادرة عن السلطة التنفيذية في الضفة الغربية المتمثلة في القرارات بقانون التي تصدر عن الرئيس الفلسطيني بموجب المادة رقم (43) من القانون الأساسي الفلسطيني، مما يسهم في تكريس الانقسام الفلسطيني القانوني والتشريعي إضافة لواقع الانقسام السياسي والجغرافي، ويهيأ له مناخاً فاعلاً ليصبح أمر واقعاً يتعذر التخلص من أثاره وتبعاته التي تتعلق بإقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بمقومات دولة يلتزم المجتمع الدولي بالاعتراف بها.

9. لا يفوتنا أن أكثر من مليون فلسطيني ممن أعمارهم اليوم (18-32) لم يمارسوا حقهم الدستوري في السلطة من خلال اختيار ممثليهم في المجلس التشريعي، وهذا بدوره يكرس حالة جمعية متنامية تحيد جيل كامل عن الإسهام في حركة التطور الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، ويحلق فجوة جيلية واسعة لها من الأثار السلبية في مجتمع يصبوا الى بناء دولته الديموقراطية ومجتمعه المدني ضمن القاسم المشترك لاختلاف المفاهيم والقيم الجيلية.

يتضح مما سبق أن غياب السلطة التشريعية كأحد إفرازات الانقسام الفلسطيني شكل عاملاً فاعلاً في تهميش وإلغاء دور الشعب مصدر السلطات، وبالتالي تقويض مقومات الدولة المدنية، وآلت بالحقوق والحريات إلى زاوية تجردت فيها من الحماية الدستورية والقانونية، وكرست هوة عميقة بين الشعب والنظام السياسي، وخلقت حالة من اللادستورية في الواقع الفلسطيني، بالإضافة لدور المجلس التشريعي كمؤسسة تعبر عن الحد الأدنى لموقف سياسي فلسطيني جمعي، فكلما طال أمد الانقسام وغياب أحد أركان النظام السياسي الديموقراطي كلما تجذرت وتأصلت ظاهرة الانفلات القانوني والاجتماعي والسياسي لتصبح واقعاً مستساغاً مسلما به يستعصي التخلص من أثاره الكارثية.

إن تداعيات غياب مؤسسة تشريعية فلسطينية لأكثر من ثمانية عشر عاماً ازدحمت بالتطورات والتحديات المصيرية فيما يتعلق بتفاصيل بحياة المواطن الفلسطيني اليومية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، أو على صعيد قضاياه العامة والمصيرية، والتي تتمثل في عدة أمور، أهمها غياب دور المواطن في المشاركة السياسية وتهميش دوره في الإسهام في عملية البناء الوطني، والتعبير عن رأيه وما يختلج في نفسه إزاء ذلك، بات يفرض لازماً وعلى وجه السرعة الانعتاق من كافة القيود والمعيقات التي تحول دون تصحيح المسار وإعادة الأمور إلى نصابها، وإنهاء حالة الانقسام السياسي الفلسطيني واجراء الانتخابات التشريعية كخطوة أولى في جسر الهوة بين الشعب والنظام السياسي وتجديد العقد الاجتماعي بين الشعب والنظام الحاكم ليمارس الشعب حقه في ممارسة السلطة من خلال ممثليه الذين ينتخبهم بحر إرادته من جهة، والقيام بواجبه في تحمل مسؤولياته في الحياة السياسية والاجتماعية والقانونية من جهة أخرى، وصولاً إلى تظافر الجهود وتناغمها في إرساء وتفعيل مواد القانون الأساسي التي تتعلق بديموقراطية الدولة المأمولة، التي تحدد الواجبات والحقوق وتكفل المشاركة السياسية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، وسيادة القانون واستقلال القضاء والحفاظ على هيبته ونزاهته، وإعادة الاعتبار للديموقراطية الفلسطينية.